الشيخ محمد رشيد رضا

451

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اليهما ) وعدم حرص أحد منهما على استرضاء الآخر وصلحه يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ يغن اللّه كلا منهما عن صاحبه بسعة فضله فقد يسخر للمرأة رجلا خيرا منه يقوم لها بحقوقها ، ويجعل له من امرأة أخرى عنده أو يتزجها من تحصنه وترضيه فيستقيم أمر بيته وتربية أولاده . وانما يكون كل منهما جديرا باغناء اللّه إياه عن الآخر بزوج خير منه إذا التزما في التفرق حدود اللّه بأن يجتهد كل منهما في الاتفاق والصلح حتى إذا ظهر لهما بعد اجالة الرأي فيه والتروي في أسبابه ووسائله أنه غير مستطاع لهما تفرقا باحسان يحفظ كرامتهما ولا يكونان به مضغة في أفواه الناس ، وقدوة سيئة لفاسدي الاخلاق ، وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً أي كان ولا يزال واسع الفضل والرحمة يوفق بين الاقدار ، ويؤلف بين المسببات والأسباب ، حكيما فيما شرعه من الاحكام ، جاعلا لها على وفق مصالح الناس ، وقد يكون من أسباب الرغبة في كل من الزوجين المتفرقين ما يراه الناس من حسن تعاملهما في تفرقهما ، والتزامهما فيه حفظ كرامتهما ، وانما قلت قد يكون للإشارة إلى أن هذا إذا لم يكن مرغبا لدهماء الناس وتحوتهم ، فهو أكبر المرغبات لكرامهم وفضلائهم - وانما الخير فيهم - فان الرجل الفاضل الكريم إذا علم أن امرأة اختلفت مع بعلها لان نفسها الشريفة لم تقبل ان ينشز أو يعرض عنها ، أو يقرن بها من لا يعدل بينها وبينها ، وهي مع ذلك لم تخدش كرامته بقول ولا فعل وانما أحبت ان تتفق معه على طريقة عادلة فلم يمكن ، فتفرقا بأدب واحسان حفظ به شرفهما ، وحسن به ذكرهما ، وعلم أنه هو الذي أساء إليها ، لا لعيب في اخلاقها ولا لسوء في أعمالها بل لتعلق قلبه بغيرها ، فان هذا الفاضل الكريم يرى فيها أفضل صفات الزوجية التي يتساهل لأجلها فيما عداها ، فان كانت فتاة رغب فيها الفتيان وغيرهم ، وان كانت نصفا رغب فيها كثيرون من أمثالها في السن وشرف الأدب ، وأكثر الناس رغبة في مثلها من يتزوجون لأجل المصلحة والقيام بحقوق الزوجية ، لا لمحض ارضاء الشهوة الحيوانية ، وهم الذين يرجى أن تدوم لهم العيشة المرضية ، كذلك كرائم النساء وأولياؤهن يرغبون في الرجل إذا علموا انه يمسك